جلال الدين الرومي

35

فيه ما فيه

قدم الشيخ شرف الدين الهروي إلى بيت المستوفى وجلس فوق دست مرتفع قال مولانا لا يختلف الأمر لديه سواء كان جالسا أعلى من المصباح أو أسفل منه . إن المصباح لو طلب العلو فلا يطلبه لنفسه ، لأن غرضه هو منفعة الآخرين حتى يختطوا من نوره ، وإلا فحيثما يكون المصباح سواء بالأسفل أو بالأعلى فهو مصباح وهو الشمس الأبدية . هؤلاء حين يطلبون جاه الدنيا وعلوها ففرضهم ليس كغرض الناس الذين يهتمون برفعتهم ، إنما يريدون أن يصطادوا أهل الدنيا بفخ الدنيا حتى يرتفعوا إلى علو آخر ويسقطوا في فخ الآخرة ، كما كان صنيع الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - فلم يكن يستولى على مكة وغيرها ؛ لأنّه يحتاج إليها بل كان يأخذها لكي يمنحها الحياة ويهبها نور الكرامة ( هذا كف معوّد بأن يعطى ما هو معوّد بأن يأخذ ) . يستولى على ألباب الناس لكي يمنحهم عطاء وليس لأجل أن يأخذ منهم شيئا . إن من ينصب أفخاخه ويمسك الطيور بمكره لكي يأكلها أو يبيعها يقال به مكار أما الملك إذا نصب شباكه لكي يصيد بازيا أعجميا لا قيمة له ولا يخبر شيئا عن جوهره ويعلمه كيف يقف على ساعده حتى يتشرف ويتعلم ويتأدب لا يقال عن فعله مكرا ولو بدأ في صورة المكر إنما هو عين الصدق والعطاء والمنح وإحياء الموتى وتحويل الحجر إلى ياقوت وخلق إنسان من منى ميت وخلاف هذا ولو علم البازي علّة صيده ما اجتاح إلى نصب الفخ له بل طلبه بروحه وقلبه ولطار إلى يد الملك . ينظر الناس إلى ظاهر كلامهم ويقولون قد سمعنا كثيرا من هذا وامتلأت بواطننا من هذا الكلام وقبيله ( وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ ) كان الكافرون يقولون قلوبنا